نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المؤمنون

الجزء ١١ · صفحة ٢٦٠

أ) - (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ}: والقول هنا هو كلام الله، وهو كقوله تعالى: (اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (النّساء:82). فالدّافع في تنكّرهم للقرآن ليس هو القدح في بلاغته وفصاحته أو عدم تذوّقهم لحلاوة بيانه، ولكنه الحسد ليتيم بني عبد مناف أن يكون له اتصال بالملإ الأعلى، أو لم يقولوا في عجرفة وعناد: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزّخرف:31). فإنهم لو أحسنوا التّدبّر في آيات القرآن لوجدوا الحق والصّدق، أو لم يعترف بذلك الوليد بن المغيرة فقال: "والله إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه".

ب) - السّؤال الثّاني: (أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَاتِ ءَابَآءَهُمُ الاَوَّلِينَ}: يعني أن الرّسول جاءهم بأمر غريب لا عهد لهم به، وهو أن يبعث فيهم رسول من عند الله، وهم كانوا يتمنّون ذلك، كما كان لليهود والنّصارى، وكما أوضح الله ذلك في قوله: (أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُواْ لَوَ اَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ) (الأنعام:156 - 157)، فالقضية -إذن- ليست غريبة عنهم، وإنما هو اللّجاج والحسد والعناد.

ج) - السّؤال الثالث: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}: وهذا أوغل في الإعجاب مما تقدم، إذ كانوا يعرفون سيرة رسول الله منذ نعومة أظفاره بينهم، وحكّموه في كثير من نزاعاتهم، ولقبوه "الصّادق الأمين"، فإنكار صدقه في الرّسالة يندرج في الخانة السّابقة، ولا يرضى الحاسد إلا زوال النّعمة عن محسوده، وصدق الإمام البوصيري حين قال:

قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد … وينكر الفم طعم الماء من سقم

٣٬٦٠٠ / ٦٬٧٦٧