سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٦١ج) - السّؤال الرّابع: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}: الجِنّة أو الجنون هو الخلل العقلي مما قد يصيب الإنسان، كانوا يرمون به رسول الله ظلما وزورا، يقولون ذلك بألسنتهم لتشويه سمعته، وهم يعرفون فيه رجاحة العقل وحصافة الرأي، فإذا تعذّر عليهم إنكاره في ذاته، فلا أقلّ من وصفه بهذه النّقيصة للتقليل من شأنه، وهو المنزّه عن ذلك، بل هو العاقل الكامل في نفسه وفي خلقه بشهادة الله القائل له: (نُ، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:1 - 4). ولذلك جاء النّقض الإلهي لتلك الادعاءات كلّها، فجيء بعدها بحرف الإضراب: "بَلْ" يتلوها الخبر الحق الثّابت عند الله، إذ قال تعالى: (بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}.
ومعايير الحقّ واحدة لا تتخلف، وما جاء به الرّسول في المعتقد والسّلوك البشري هو الحقّ المبين الذي قامت عليه السّماوات والأرض، وهو الواضع للبنة النّاقصة في الصّرح الذي أقامه رسل الله على امتداد العمران البشريّ، فاكتمل بذلك الدّين وتمت نعمة الله على خلقه، فقال تعالى: (لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد:25). فمن هي هذه الأكثرية التي تكره الحق؟. لا شك أنهم المنتفعون بسحت الباطل المؤلهون لأهوائهم وشهواتهم والخائفون على زوال نفوذهم وسلطتهم في ظلال الحقّ. ولا شك أنّ مشركي مكة كانوا في طليعة هؤلاء كرها للحق ومحاربة له في شخص رسول الله وأصحابه. وقد أسند الله كراهية الحقّ إلى الأكثرية احتراسا من أولئك الذين عرفوا الحقّ، ولكنهم مالئوا طغاة قومهم خوفا وتقية.