سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٦٤جاء التّعبير بالموصول مؤكدا بـ"إن" لتعمّ دلالته كلّ من يكون على شاكلتهم في الجحود والإنكار، يبين الله أن سبب انحرافهم عن الصّراط هو تكذيبهم بالآخرة، ظنا منهم أن الدّنيا هي الغاية والنّهاية، وذلك هو الضّلال البعيد. كما قال تعالى: (أَلآَ إِنَّ الذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلِم بَعِيدٍ) (الشّورى:18).
(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}: وبناء على جؤار المترفين إلى الله إذا مسّهم الضّرّ -كما تقدم- فإنّهم مع ذلك باقون على طغيانهم، حتى لو استجاب الله دعوتهم وكشف عنهم ذلك الضّرّ، فإنّ طبيعة العناد والطّغيان لا تترك في الإنسان مجالا للإذعان والرّضوخ، وذلك هو اللّجاج المذموم الذي يدفع صاحبه إلى التماس المعاذير لنفسه، ليظل متمسّكا بموقفه ولو فيه الهلاك المحقّق، ولذلك جاء التّعبير بـ"الطّغيان"، وهو تجاوز الحدّ في كل شيء.
ثم قال تعالى: (وَلَقَدَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}: أي هم في كلّ حالة متمرّدون على الله، سواء في فرضية كشف الضّرّ عنهم، أو في أخذهم بالعذاب، مما تقدم ذكره بالنّسبة لمترفيهم، أي عذاب الجوع الذي أصاب قريشا أو عذاب يوم بدر. (فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ}: أي ما خضعوا لما تلقّوه من العبر والدّروس، ولا هم يتضرعون في المستقبل، تذللا لربّهم وخضوعا.
(حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ اِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}: فماذا ينتظر هؤلاء غير عذاب الآخرة يفتح عليهم بابه بغتة، فإذا هم في يأس وقنوط، يوم لا ينفع فيه ندم، والضّمير في "فِيهِ" يعود إلى باب العذاب المفتوح، وهو في رأي بعض المفسرين العذاب الدّنيوي الذي توالى على مشركي مكة، أو هو العذاب الأخرويّ على الأرجح، والله أعلم.
نعم الله العظمى على عباده، وإنكار المشركين للبعث.