سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٧٢تكرر الأمر للرسول بأن يقول لمنكري رسالته: من هو ربّ السّماوات السّبع؟، والرّبوبية تقتضي -إلى جانب الخلق والتّكوين- العناية والقيام على شؤون المخلوقين وتسيير أحوالهم، ولم تتكرر هنا جملة: (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) اكتفاء بسابقتها، ثم إن المشركين لا يشكّون في انفراد الله بملكية السّماوات، ولا يشكّون في سلطة الله على الكون كلّه مما ترمز إليه كلمة: (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، وجاءت الإجابة كالأولى اعترافا بهيمنة الله وعظيم سلطانه، ولذلك ناسب أن يكون التّعقيب هنا بقوله: (قُلَ اَفَلاَ تَتَّقُونَ}، أي كان الواجب عليكم أن تتقوا الله بالخوف من سخطه وعذابه، ما دمتم قد اعترفتم بعظيم سلطانه وقوة جبروته.
ثم أمر الله رسوله أن يسألهم سؤالا ثالثا فقال: (قُلْ مَنم بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}، لفظ: (مَلَكُوتُ) صيغة مبالغة للملك، قال الإمام الشّعراوي: "الملكوت يطلق على الأشياء المحجوبة التي لا يراها أحد، أو على الأشياء التي يراها واحد دون الآخر"(1). ويضيف الإمام ابن عاشور في بيان معنى الكلمة " (مَلَكُوتُ}: "الملك المقترن بالتّصرف في مختلف الأنواع والعوالم، لذلك جاء بعده: (كُلِّ شَيْءٍ}."(2). واليد: تدلّ على التّمكن من الشيء، وفي هذا التّعبير تصوير لعظيم سلطان الله على جميع مخلوقاته، فهو المغيث لكل مستنجد به، يمنعه من إذاية غيره، بينما لا يمكن لأحد مهما أوتي من قوة أن يمنع أحدا من عقاب الله إذا سلطه عليه؛ فهو القاهر فوق عباده لا مجيرَ لمن أراده الله بسوء وهو القويّ العزيز.