سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٧٣وبما أن تدابير الله في ذلك خفية دقيقة فقدّ تكررت هنا الجملة الشّرطية: (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، ثم جاءت الإجابة بقوله تعالى: (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}، فاستعيرت كلمة السّحر لترويج الباطل، فتطغى الأوهام والخرافات على عقولهم ويخدعون بها فلا ينكشف لهم الواقع على حقيقته. و (أَنَّى) بمعنى "كيف"، وهي للاستفهام الإنكاري، وعرضت هذه الحقائق الوجودية الثّابتة بأسلوب الاستفهام لاستدراج المخاطبين إلى الاعتراف والإقرار بها في مجال العقيدة، وقد اتضحت الآيات والبراهين، ووضح المنهج الرّبّاني، فليس وراء ذلك إلا المكابرة والعناد.
قال تعالى: (بَلَ اَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: انتقل السّياق من أسلوب الحوار والمجاوبة إلى تقرير وجه الحقّ في القضية فبيّن تعالى أن وجه الحق ناصع في دعوة الرّسول، وبالالتفات إلى صيغة الغائب وصفهم الله بالكذب مؤكدا بـ"أن" و"اللاّم" والجملة الاسمية، والكذب عند هؤلاء يتكلّفونه لاستبقاء منافعهم والحفاظ على منازلهم الاجتماعية، والكذب نقيض للإيمان لا يجتمعان في قلب الإنسان، كما ثبت في الحديث بأنّ المؤمن لا يمكن أن يكون كذّابا(1).
(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنِ اِلَهٍ اِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِم بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، لاتخاذ الشّريك صور شتى:
(1) 1 - رواه مالك في الموطأ مرسلا من حديث صفوان بن مسلم، كتاب الكلام، باب ما جاء في الصدق والكذب، رقم 1795.