سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٨٨تأتي هذه المحاورة مع المنكرين للبعث، وهم يحيون مشاهده، وبعد أن فقدوا كلّ رجاء في العودة إلى الدّنيا، وبعد أن ينتهوا إلى مصيرهم المشؤوم، وقد بدأ المشهد بالنّفخ في الصّور، وهو المنطلق للنّشأة الآخرة كما وعد الله بذلك، ووعده الحقّ، فكان من الأنسب في ترتيب الأحداث أن يكون السّؤال عن مدّة لبثهم في الأرض أوّل ما يوجّه إليهم في ذلك الموقف، وهم الذين اغترّوا بالحياة الدّنيا وجعلوها منتهى آمالهم ومثوى وجودهم، وهذا السّؤال استدراج لإقرارهم بالخطأ وسوء التّقدير، وهم يواجهون الحقيقة لما كانوا ينكرون، قال الله تعالى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الاَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا اَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَآدِّينَ، قَالَ إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ قَلِيلاً لَوَ اَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
فما أشدّ على النّفس المصرّة على الإنكار والتّكذيب أن تواجه الحقيقة التي تكشف عن خطئها وسوء تقديرها، فهؤلاء جعلوا الدّنيا منتهى آمالهم ومبلغ علمهم، أصبحوا في حيرة من أمرهم عندما انكشف لهم الغطاء، فتجلت لهم الحقيقة ولا مناص لهم عنها، فيجيء السّؤال عن مدة لبثهم في الدّنيا على ما مارسوا فيها من ضلال وعاثوا فيها من فساد، يجيء للتحقير من شأنها، وللتنبيه على خطئهم؛ لأنه مهما طال بهم الأمد وهم يتمتعون بدنياهم، فإنه قليل بالنّسبة للحياة الباقية، وشرّ بالنّسبة لما ينتظرهم من شقاء، كما قال تعالى: (أَفَرَآيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ، مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ) (الشّعراء:205 - 207).