سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٨٩وقد عبّروا عن تلك الحيرة في إجابتهم عن السّؤال بأنهم لبثوا يوما أو بعض يوم، إما عن غفلة وسكرة في الملاذ والشّهوات، وإما عن مقارنة بما صاروا إليه من الشّقاء والعذاب، ولذلك جاءت الإجابة بما كان يجب أن يعرفوه من حقارة شأن الدّنيا وقلة متاعها بالنّسبة إلى الحياة الباقية، ذلك لأنهم كانوا يقولون: (إِنْ هِىَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (الأنعام:29). والتّفريع بقولهم: (فَاسْأَلِ الْعَآدِّينَ}، فيه من الإقرار بأن السّائل له علم بالإحصاء والضّبط لكل الأمور.
(أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}: يجيء هذا الاستفهام التقريريّ آخر حلقة في المحاورة لبيان حكمة الخلق، وأنّه لا بدّ من البعث للحساب والجزاء، وأن ذلك من رحمة الله وعدله، محسوب حسابه ومدبّر أمره في علم الله، لأنّه تعالى يجلّ ويتنزه عن العبث، فيجعلكم كالبهائم ترتعون وتنعمون ثم لا يكون لكم حساب ولا جزاء كما تعتقدون.
(فَتَعَالىَ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا -اخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}: تجيء الآيتان تعقيبا على ما ورد في السّورة كلها لبيان دلائل الوحدانية والقدرة والسّلطان، بأنّه تعالى كامل الوجود في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، ومن تلك الصّفات:
أ) - (الْمَلِكُ}: له ما في السّماوات وما في الأرض وما بينهما بالخلق والإيجاد وبالسّلطان والتّدبير.
ب) - (الْحَقُّ}: أي الثّابت الدّائم؛ لأن ملك غيره ناقص لما فيه من احتياج وزوال.
ج) - (لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}: تفرّد بالألوهية؛ لأنه المالك وحده والخالق وحده، فلا إله غيره.
د) - (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}: هو صاحب السّلطة لا ينازعه أحد في ملكه في الدّنيا والآخرة.