سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٢٩١والذي يراه المحققون استنادا إلى بعض الرّوايات واستنطاقا للأحداث التّاريخية المكتنفة لحادثة الإفك أن غزوة بني المصطلق قد وقعت لسنة ستّ بعد غزوة الأحزاب، ذلك أن أعداء الإسلام بعد خيبتهم من القضاء على الإسلام في عقر داره بالمدينة المنوّرة، بعد ما أحكموا خطتهم وجمعوا أحلافهم لغزوة الأحزاب، تيقنوا أن لا قبل لهم بردع القوة الإسلامية الفتية بالقوة العسكرية وحدها، بل عليهم أن ينتهجوا أسلوبا آخر من الدّس والكيد وحرب الإشاعة ليفجّروا الوضع الدّاخلي المتماسك في الجماعة المسلمة، وقد تولّى رأس المنافقين عبد الله بن أبّي بن سلول مع رهط من قومه تولّوا كبر القضية فخبّوا ووضعوا، ومن المفارقات العجيبة أن يكون ضمن صفوف المسلمين في غزوة بني المصطلق حيث تقع حادثة ملاحاة أدّت إلى اقتتال بين رجلين، أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار فاستصرخ كلّ واحد منهم بقبيله فتلاسن القوم، فغضب لذلك ابن أبيّ فقال قولته المشهورة: (لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ) (المنافقون:8).
ومن نماذج حرب الإشاعة قبل ذلك زواج الرّسول بزوج متبنّاه زيد بن حارثة زينب بنت جحش رضي الله عنها إذ أشاع بأن الرّسول وقع في غرامها مما دفع زيدا إلى تطليقها ليتزوجها الرّسول، ويكون بذلك قد تزوج بحليلة ابنه، وحاشا لرسول الله أن يفعل ذلك وهو الزّكيّ المعصوم ولكنها إرادة الله وحكمته في التّشريع، عندما قضى بذلك لرسوله حتى يكون قدوة للمسلمين في إلغاء ظاهرة التّبنّي فقال عزّ من قائل: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُومِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمُ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب:37).