نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣١٧

قالت: فتلفحت في لحافي ونمت وتركتهم حيارى، قالت: فو الله لم يتحرك أحد من مكانه حتى نزل الوحي على رسول الله، فلما سريّ عنه تهلّل وجهه وهو يبتسم فأول كلمة قالها: أبشري يا عائشة فقد برّأك الله، فقالت لها أمها: قومي إلى الرّسول فقبلي رأسه، فقالت: والله لا أحمد إلا الله فهو الذي برأني ثم تلا عليهم الرّسول الآيات: (اِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالاِفْك عُصْبَةٌ مِّنكُمْ}.(1)

هكذا يبدأ السّياق بهذا الاستئناف الابتدائي مؤكدا بـ"إن"، ولذيوع القصة في الجماعة المسلمة صار الإفك علما بالغلبة للكذب الفظيع، والتّعبير بـ"جاءوا" يدلّ على غرابة هذا الخبر حتى لكأنه جيء به من بعيد، فهو دخيل على أخلاقيات المجتمع المسلم، الذين جاؤوا به هم عصبة قليلة يجمعهم هدف واحد هو النّكاية بالمسلمين وإحداث البلبة في صفوفهم، وفيهم منافقون وبعض السّذّج من المسلمين ممن يستمعون إلى كلّ ناعق وعلى رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول، ومن المسلمين السّذّج مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وهي مدفوعة بالحمية لأختها زينب بنت جحش، فإلى هؤلاء جميعا يتعيّن كاف الخطاب في قوله تعالى: (مِنكُمْ) أي من جماعتكم، إذ أن صفة النّفاق في ابن أبيّ لم تجرّده عن كونه مسلما في ظاهره ينطوي على مكر وخبث؟ كيف وقد أبى رسول الله أن يقتله تأليفا لقلبه وهو سيّد قومه، ثم إنه كان في جيش المسلمين لغزوة بني المصطلق.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، رقم 4141؛ ورواه مسلم من حديثها، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم 2770.

٣٬٦٥٧ / ٦٬٧٦٧