نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣١٨

فالألفاظ الثّلاثة المستعملة في هذا الخبر كلها تدلّ على التّحقير والتّشنيع، فالإفك ليس كذبة عادية، بل هو بهتان مبين يفجأ النّاس لفظاعته، والذين صدر عنهم اختلقوه اختلاقا وهم يرمون بذلك المكر والكيد للإسلام، فحقّ للمسلمين أن يفجعوا بهذا الخبر، وحَقّ لرسول الإسلام ولصاحبه الصّدّيق أن يعتصرهم الألم، وينتابهم القلق وكلاهما يفجأ في أحبّ النّاس إليه، وأعلاهم منزلة لديه، تلك الطّاهرة البريئة والغافلة العزيزة، التي تنام عن عجينها فتأكلها الدّواجن كما قالت عنها الجارية بريرة.

إنه لموقف عصيب ووضع كئيب ذلك الذي عاشه المسملون عامّة، وعاشه أبطال هذه القصّة الغريبة، وعلى رأسهم رسول الإسلام وزوجه عائشة أمّ المؤمنين، حتى ساورهم القلق واستبدّت بهم الحيرة في شهر كامل، وهم يلتمسون من الله النّور الذي يهديهم ويبدّد عنهم ظلمات الحيرة والشّكّ، فيا لحكمة الله البالغة في ما يدبّره من الخير والصّلاح من وراء هذه الأحداث التي ظنها المسلمون أنها شرّ ووبال عليهم، فإذا بقبس الوحي يتألق، وإذا بكلام العزيز الحكيم يهدّئ الأعصاب ويشرح الخواطر: (لاَ تَحْسِبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ’ مِنْهُمْ لَهُ’ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

هكذا ينفي الله عن نفوس المسلمين ظنون الشّرّ، وما أبلغ التّعبير القرآني في استعمال فعل الرّجحان، في ما تكون عليه انفعالات الإنسان، وحسب هذا النّفي للشّر تعبيرا كافيا في إثبات الخير، ولكن الله تعالى أكّد كون ذلك خيرا بأداة الإضراب، ليزيل بذلك كل وهْم يمكن أن يلحق الضّرر بالجماعة المسلمة الحريصة على تقواها وصلاحها، وقد لخصّص الإمام أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- أوجه ذلك الخير في ما يلي:

٣٬٦٥٨ / ٦٬٧٦٧