سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٢٣وقبل هذه الآية قال تعالى: (وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}، يشعر التّكرار لجملة: (وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) في هذه الآية الكريمة مع سابقتها، بأن السّمع الحرام والرّضى به، ثم السّكوت عن تغيير المنكر لا يقلّ خطرا ولا ذنبا عن الكلام الحرام، لأن الذي يروّج للإشاعة الكاذبة هو تلقّي الأسماع لها في موقف سلبي لا استنكار لها ولا ردّ، وإن كان السّامع يستنكرها في قلبه فإن ذلك لا يكفي في إيقاف تيار الإشاعة، بل يتوجّب على السّامع أن يبادر إلى الاستنكار والرّدّ، وإلاّ فسوف يعتبر شريكا للقائل، ولذا جاء التّعبير القرآني في نفي التّكلم جاء بصيغة المتكلمين "لَنَا" ولم يجئ بصيغة المخاطب ليدلّ أنّ المتكلم والسّامع غير النّاكر سواء في ترويج الإشاعة.
والجملة المعترضة "سبحانك" خلال مقولة السّامع، جاءت للتنبيه إلى واجب المؤمن في مراقبة الله والإنابة إليه في مثل تلك المواقف، وعظمة هذا البهتان تتجلّى في تلك المنكرات التي تنجرّ عنها سيما وقد مسّت أعراض من هم في ذروة الأمّة وسنامها، واستهانت بشرف النّبوءة وقدسيتها.
وبعد هذه الجولة من التّحقيق في تحديد المسؤوليات، وتوجيه التّهديد والوعيد لمستحقيه، واللّوم والعتاب للخائضين فيه، وبيان أوجه الخير التي نالها المسلمون في هذه القضية يجيء الوعظ الإلهي اللّطيف أن لا يعود المؤمنون مرة أخرى في ما يستقبلهم من الأبد زمانا ومكانا، مستجيشا عاطفتهم الإيمانية ليحرضوا على الامتثال.
ويرى بعض المحققين أنه بمقتضى هذا الشّرط يحكم بالكفر على من اعتقد بوقوع الإفك لأن الله تعالى قد برّأ عائشة بنصّ القرآن، فمن سبّ عائشة فقد خالف القرآن، وهو ملحظ قويّ وتأويل سليم؛ لأن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها.