نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٢٤

وفي قوله تعالى: (لِمِثْلِهِ) أدب رفيع للأمة الإسلامية في ما يجب أن تلتزم به من آداب العشرة والتّعامل، وأن الأصل في كلّ إنسان أنه بريء ما لم تثبت إدانته بطرق شرعية، وذلك من رأفة الله ورحمته بعباده، وأن الله رؤوف رحيم، والله أعلم.

وعيد إشاعة الفاحشة

أ) - النّص:

///

ب) - البيان والتّفسير:

بعد الوعيد الشديد على الذين خاضوا في الإفك، وتحذيرهم من أن يعودوا لمثله في المستقبل تجيء هذه الآية بمثل هذا العموم الذي دلّ عليه الاسم الموصول، تجيء لتقرّر ظاهرة مرضية تصاب بها بعض النّفوس الخبيثة ممن تنازعهم خواطرهم الدّنيئة ونواياهم الخسيسة في شيوع الفاحشة وانتشارها في الأوساط الطّاهرة النّقية.

والفاحشة لها صور متعددة تفننت فيها النّفوس الخبيثة قديما وحديثا، ولئن كان الإفك والبهتان من أقبح وأفظع صورها، ومن أفتك وسائلها، فإن هناك وسائل أخرى تمارس وهي تدخل في محبة الفاحشة.

والحق تعالى عندما أراد أن يجتث بذور الفاحشة من المجتمعات المؤمنة عبّر بفعل الحبّ: (يُحِبُّونَ}، والحبّ عمل قلبيّ محجوب عن الخلق، ولكن الله مطّلع عليه وهو كما قال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ’ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق:16). وشيوع الفاحشة يتمّ على مراحل، أولاها تلك النّزعة القلبية الخبيثة، فإذا ما ترعرعت تحوّلت إلى ترجمة اللّسان عنها، فأراد الحق تبارك وتعالى أن يقتلها في مهدها حتى لا تنفلت إلى حديث إفك في أعراض النّاس، وجلّ من لا عيب له، وكل ابن آدم خطّاء.

وللسّيئة لوثتها في النّفس البشرية، غير أن المؤمن الوفيّ سبّاق إلى التّوبة، فلا تضيره تلك السّيئة إذا سترها الله عنه، أمّا حين يتسامعها الخلق ويتقاذفونها، فإنها لا تبقى في حجمها الحقيقي، بل تتسع وتكبر على ألسنة الخلق فإذا بصاحبها تضيق عليه الأرض بما رحبت.

٣٬٦٦٤ / ٦٬٧٦٧