سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٢٩وقد صوّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الصّراع الباطني بين الحقّ والباطل في ذواتنا حين جعل الملك رمزا للحق والخير وجعل الشّيطان رمزا للباطل والشّرّ فقال: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم قرأ: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء}».(1)
والتّعبير على عمل الشّيطان بالخطوات يوحي بدسائسه ومكره في استدراج الإنسان إلى المعصية بمختلف الوسائل، وحسبه أن يغري الإنسان بالخطوة الأولى، فإن لم يدرأ عنه تلك الوسوسة بذكر الله والعياذ به، فإن الشّيطان يفضي به إلى الخطوة الثّانية حتى يوقعه في فخه، باتباع تلك الخطوات على طريق الفحشاء والمنكر، فكان من فضل الله على النّفوس المؤمنة أن جعلها في منعة من تلك المزالق بطهارتها وزكاتها، وهي في ذلك لا تركن إلى الغفلة والنّسيان، ولا تساوف في المسارعة إلى التّوبة وطلب الغفران، والله يزكّيها وييسّر لها أسباب الهداية والتّوفيق قال تعالى:
أ) - (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17).
ب) - (قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشّمس9 - 10).
(وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: وهما الصّفتان المناسبتان للذات العلية في هذا المقام، إذ أن بواعث النّفاق في نفوس البشر لا يعلمها إلا الله تعالى كما تقدم، فهو السّميع لما يتردّد في مجامع النّاس من أقوال عليم بما يتردد في نفوسهم من خواطر.
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب تفسير القرآن، باب سورة البقرة، رقم 2899، وقال: هذا حديث حسن غريب.