نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٤٠

ومن الآداب الشّرعية أن يذكر المستأذن اسمه عند ما يقال له: مَن؟، ولا يقتصر على قوله: أنا، أنا. فإن عمر رضي الله عنه كان يفعل ذلك عندما يستأذن على رسول الله فيقول: أيدخل عمر؟، هكذا يسمّي نفسه. وقد لا يجيب أهل الدّار للمستأذن بعد ثلاث، فلا داعي بعد ذلك للإلحاح، وقد يقال له: ارجع، فيجب على المستأذن أن يرجع دونما تأثر أو غضب.

وقد علّل الله الرّجوع بأنه أزكى وأنفع للمستأذن ولأهل البيت معا، لأن اللّياقة الاجتماعية تقتضي تلك الآداب العالية فلا معنى فيها للجاج والعناد أو للتشنج والغضب.

والله تعالى يبارك تلك العلاقات ما دامت تتمّ وفق ما رتب الله فيها من الآداب، ولذلك جاء هذا التّذييل المناسب بقوله تعالى: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، أي يحاسبكم على دخائل نفوسكم ونواياكم. لأنك -أيها المستأذن- عندما تبقى أمام الدّار وقد قيل لك: ارجع، فإنك تكون مثار قلق وحذر من أهلها للتجسس أو التّلصّص.

ثم قال الحق تبارك وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}.

جاء هذا الحكم الإلهي بالنّسبة للبيوت غير المسكونة جاء لسؤال أبي بكر وجّهه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزل الحكم الأول بشأن البيوت المسكونة فقال أبو بكر: يا رسول الله: أرأيت بيوت التّجار ومنازل الطّرقات للمسافرين؟؟ فنزلت الآية.

وهذا النّوع من البيوت ممّا عرفه النّاس قديما وحديثا ويعرف اليوم بالمؤسسات العمومية من مقاه وفنادق ومنتزهات، وقاعات عامّة، بل حتى المحلات التّجارية والإدارية والقضائية … إلخ. فهذه وأمثالها مما لا تكون خاصّة بأحد لا حرج علينا في دخولها والانتفاع بما فيها من مرافق وأثاث، وإن اقتضى التّنظيم اتخاذ بعض القائمين عليها من كتاب وحراس، أو الالتزام ببعض الإجراءات الإدارية مما هو معروف اليوم.

٣٬٦٨٠ / ٦٬٧٦٧