سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٦٥وفي إضافة المال إلى الله إيحاء لطيف لشكر المنعم، لأن الله تعالى هو الباسط الرّازق، وهو الميسّر للأسباب، وقد ذكر المحدثون بعد نزول هذه الآية الكريمة أن كثيرا من الصّحابة ممن ليس لهم فضل مال بادروا إلى مكاتبة عبيدهم، وأما الأغنياء منهم كأبي بكر الصّديق وعبد الرّحمن بن عوف فقد حرّروا آلافا من العبيد لوجه الله تعالى، ومما أثبتوه أن النبي عليه السلام قد أعتق 63 رقبة وأعتقت زوجه عائشة 67.
وبهذه الطّريقة الحكيمة وجد العبيد حريتهم في دين الله، حتى صار الكثير منهم في الصّفّ الأمامي من خيرة الأصحاب كبلال بن رباح، وقد ندّد رسول الله بكل متعاظم جبّار يستذلّ رقاب النّاس فقال: «قال الله تعالى: ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره».(1) وهذا عمر الفاروق يرسل صيحته المدوّية في العالمين: "متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
(وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ اِنَ اَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُّكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}:
وهذا إرشاد إلهي آخر يخفف من عنت الأرقاء ويرفع مستواهم إلى الكرامة الإنسانية تصوّنا وطهرا فالمقصود بالفتيات هو الإماء المسترقات، وهو تعبير قرآني لطيف ينضح بالرّحمة والشّفقة ويدلّ على تكريم ذلك النّوع من النّاس ممن عثر بهم الحظ فوقعوا في الأسر أو أصابهم من عنت الدّهر ما يسلب حريتهم. وقد جرت العادة عند الجاهليين أن يسخّروا إماءهم لذلك النّوع من الكسب الخبيث المتمثل في احتراف الدّعارة وتسخير أجسادهن لكلّ لامس.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب البيوع، باب إثم من باع حرا، رقم 2227.