سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٨٠قال تعالى: (وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ' فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ' وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، فليت الخيبة كانت بعدم الحصول على المطلوب من وجود الماء، بل وجد هناك من كان ناكرا لوجوده غافلا عن سخطه وعذابه، وجد العزيز الجبّار في مفاجأة لم يكن ينتظرها، وعندئذ ينال جزاءه الأوفى على ما قدّمه من أعمال كان يظنها خيرا، ولكنها عند الله لا تساوي شيئا لأنها عارية عن الإيمان بالله ورسالته حتى صارت هباء منثورا قال تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً) (الفرقان:23).
وأي تصوير للخيبة والأسى أبلغ من هذه الوضعية التي ينتهي فيها الإنسان المتلهّف الظّمآن إلى مورد لا وجود له إلا في خياله المريض، ثم هو يقع في يد من كان يترصّده لينال منه جزاءه.
ثم قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ' لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}.
عطف المثال الثّاني بـ"أو" التي تدلّ على التّخيير، والمشبه في المثالين واحدٌ، أي الذين كفروا، فهم في ظلمات مطبقة هي غاية في كثافة الظّلمة بحيث لا تمكّن صاحبها حتى من الاستشعار بذاته، ولو أجهد نفسه في ذلك: (اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ' لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}.
هذه الصّورة التّمثيلية الرّائعة من أروع ما جاء في القرآن لوصف أهوال البحر، ممّا لا يمكن أن يتصوّره حق التّصوّر إلا الذين عايشوا البحر وأبلوا أخطاره من ربابنة السّفن قديما وحديثا، فهو الخلق العظيم الذي لم يستطع الإنسان أن يقهره بالرّغم بما يخترعه من وسائل الإنقاذ والنّجدة، وما يعتمد عليه من تقنيات تساعده في دقة الفن الملاحيّ وترصّد الأحوال الجوية.