نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٧٩

بعد أن ضرب الله المثل لنوره وكيف تستنير به قلوب المؤمنين الصّادقين وتنتفع بهداية الله وفق مشيئة الله وعلمه انتقل النّصّ إلى مقابلتهم بحال الكفّار والمنافقين أولئك الذين ختم الله على قلوبهم حين تنكّروا لرسول الله الذي بعثه الله نورا وأنزل عليه نورا، وليس إلا القلوب مستودعا لهذا النّور، وسواء أقرّت الألسن أم أنكرت، فإن العاقبة سواء في بقائهم للظلمات.

والأعمال بالنّسبة إلينا -نحن البشر- هي أساس التّقويم ومن خلالها نصدر أحكامنا، ولكن الله العليم بذات الصّدور لا ينظر إلى صورنا وأعمالنا ولكن ينظر إلى ما في قلوبنا، كما قال رسول الله وكما صرّحت به الآيات القرآنية كقوله تعالى: (قُلِ اِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمُ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ) (آل عمران:29). وفي قوله في سورة البقرة: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمُ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ) (284).

ودفعا لكلّ وهم في قيمة أعمال الذين كفروا عند الله، ضرب الله هذين المثلين وساق هاتين الهيئتين التّمثيليتين لشيء معنويّ بأشياء محسوسة هي غاية في الخيبة والتّيه والضّلال، وأية خيبة هي أدهى وأمرّ من خيبة الظّمآن المتلهّف إلى الماء، يخدعه السّراب فيتجه إليه متعبا مكدودا، ثم هو لا يجد شيئا، وما أدقّ التّعبير بهذه النّكرة في سياق النّفي لتصوير منتهى الخيبة والخسارة في عدم الحصول على الطّلب حتى من أدنى الأجزاء الحقيرة منه، وكذلك سعي الكافرين في ظواهر أعمالهم وإن حسبوها مكاسب ضخمة في حياتهم الدّنيا وحسبها كذلك الذين يغترون بهم، فسوف لا يجدون عند انكشاف الغطاء بموتهم إلا الوهم والخيال، كما يجد الظّمآن في جريه وراء السّراب والآمال.

٣٬٧١٩ / ٦٬٧٦٧