سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٨٩قال تعالى: (يُقَلِّبُ اللهُ اليْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الاَبْصَارِ}، هذه هي الآية الثّالثة جيء بها على الاستئناف الابتدائي، وأشير بعدها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ) مؤكدا بـ"إن" و"اللام"، على أن الإشارة تعود إلى قوله: (يُقَلِّبُ) لأنها ظاهرة مستقلّة عما سبق وقد تكرر في القرآن الكريم إلفات النّظر إلى ظاهرة اختلاف اللّيل والنّهار، وأن ذلك يتمّ بتسخير الله وقدرته لما فيه من منافع لحياة الكائنات سعيا ونشاطا في ضوء النّهار وخلودا إلى النّوم والرّاحة في اللّيل، إذ لو شاء الله لجعل اللّيل سرمدا إلى يوم القيامة، أو النّهار سرمدا إلى يوم القيامة كما فصّل ذلك في سورة القصص بقوله تعالى: (قُلَ اَرَأَيْتُمُ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اليْلَ سَرْمَداً الَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنِ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَاتِيكُم بِضِيَآءٍ اَفَلاَ تَسْمَعُونَ، قُلَ اَرَآيْتُمُ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً اِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنِ اِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَاتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ، وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (71 - 73).
وبحكم الإلف والعادة، فإنّ الإنسان قليلا ما يعتبر بتلك الظّاهرة العجيبة، فلا يشعر بأن حلقات الزّمان إنما هي خطوات تجرّه إلى مصيره المحتوم، ولا يعتبر بذلك إلا من آتاه الله فهما وبصيرة فيغتنم فرصة عمره للتزوّد بما ينفعه في رحلته الأبدية.
(وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَآءٍ فَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: