نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٩٠

هذه هي الظّاهرة الرّابعة الدّالة على قدرة الله وعظمته، فهو الخالق المصوّر، وهو المدبّر الحكيم، خلق كلّ دابّة من ماء، فالخلق والإيجاد منه تعالى لكلّ ما يدبّ على وجه الأرض مما هو جليّ أو خفيّ، ولما كان عنصر الحياة الأساسي هو الماء فقد جعله أصل الخلقة الأول، وقد يراد به ماء المنيّ في الذّكر تلقح به بويضة الأنثى كما قال تعالى: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ) (الذّاريات:49). وقال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ اَفَلاَ يُومِنُونَ) (الأنبياء:30).

ثم ذكر الله أنواعا من تلك المخلوقات فنبّهنا إلى ما هو أقرب إلينا تسخيرا وانتفاعا، على اعتبار أن الإنسان في قمة تلك الكائنات باستواء خلقته وارتفاع هامته ونضج عقله، ولما كان الدّبيب على وجه الأرض يتمّ على الأرجل خطوا وعلى البطون زحفا، فقد ذكر ما خلقه وسيلة لذلك من عدد الأرجل، لا على وجه الحصر، بل على وجه المثال المعروف لدينا والأكثر اتصالا بنا من الطّيور والأنعام والحيتان، ويبقى ما وراء حسنا المشاهد من الكائنات الأخرى، يبقى اكتشافه بتطوّر العلم، فقد توغل الإنسان في كشف كثير من المخلوقات الدّقيقة، حتى فك لغز الجينات وتفنن في تحليلها وتركيبها. ولكنه ما يزال عاجزا في فكّ لغز الحياة وكيف يسري دبيبها في جهاز الخلية الواحدة، وهو يسعى بذلك من جهة أخرى إلى فكّ لغز الموت وهيهات، والخالق العظيم يقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85).

٣٬٧٣٠ / ٦٬٧٦٧