نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٤٠٠

ذلك هو الجوّ الذي نزلت فيه هذه الآية، والذي يشخّصه أبو العالية في هذه الرواية فيقول: مكث رسول الله بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه، خائفا هو وأصحابه، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السّلاح، فقال رجل: يا رسول الله أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السّلاح؟، فقال رسول الله: «لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة».(1)

ومع قوله تعالى مخاطبا المنافقين في الآية السّابقة: (فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النّور:54). وبعد هذا التّرغيب في طاعة الرّسول للحصول على الهداية التي لا يملك الرّسول من أمر تحقيقها للناس إلا التبليغ، ناسب أن يجيء هذا الوعد الإلهي يطفح بشرى لأولئك الذين يحنّون إلى الأمن والاستقرار، وإغراء واستئناسا لمن ظلّ في ريب وتردّد ونفار.

ويعجبني ما أورد الإمام الرّازي في سياق نظم الكلام بين الآيتين إذ يقول: "اعلم أن تقدير النّظم: بلّغ أيها الرّسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصّالح أن يستخلفهم في الأرض … إلخ."(2)

قلت: لعلّ الأنسب أن يقال: إن الطّاعة المطلوبة لله والرّسول والمحققة للهداية لا تكون بمجرّد الإيمان القولي كما فعل المنافقون، بل هي الطّاعة التي تنبثق عن الإيمان القلبيّ الرّاسخ وتتجسّد في النّشاط الإنساني كله عملا صالحا وسلوكا نظيفا يكون تبعا لما جاء به الرّسول من عند الله، وبالتّالي فهذا النّوع من الطّاعة هو الذي يستحق الموعود به من الله في هذه الآية الكريمة من الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدّين وتوفير الأمن.

(1) 1 - أورده القرطبي في تفسيره، 12/ 297.

(2) 2 - الفخر الرازي، التفسير الكبير: 24/ 24.

٣٬٧٤٠ / ٦٬٧٦٧