نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٤٠

يفيد التّضخيم والتّهويل.

(وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلآَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً اَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا): عاد السّياق إلى الرّدّ على المشركين في قولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاَسْوَاقِ)، فبيّن الله تعالى أن سنته جرت أن يكون رسله من البشر، ولم يكن هؤلاء المشركون ينكرون وجود الرّسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كما لم ينكروا أنهم كانوا من البشر، وإنما هو التّعنّت والمكابرة، وإذ كان رسل الله من البشر فإن الحاجة تدعوهم ليأكلوا الطّعام لحفظ أجسادهم ويمشوا في الأسواق للقيام بشؤونهم الخاصة وليس محمد بدعا في ذلك، فلا بد أن يكون من البشر ليتلاءم مع بني جنسه وليكون قدوة في أعماله؛ لأنه يمتاز عن غيره في حياته النّفسية والخلقية. والله تعالى قد رفع بعض خلقه على بعض لينتفع بعضهم من بعض، كما قال أبو العلاء:

النّاس للنّاس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

ثم إنه تعالى فتن النّاس بعضهم ببعض ليندفعوا في إصلاح الأرض وعمارتها، ففتن المؤمنين بالكافرين، وفتن الضّعفاء بالأقوياء، وهكذا فإن الفتنة تطال كل أصناف النّاس.

وأمام هذا الواقع الحيويّ فعلى أهل الحق والصّلاح أن يصبروا ويصابروا حتى يأتي الله بأمره، فقوله تعالى: (اَتَصْبِرُونَ)، هو للتّحريض على الصّبر، والله تعالى بصير بشؤون عباده، فيمكّن لعباده الصّابرين، ويكافئ كلاّ بما علم الله منه من خير وشرّ وكفى بالله حسيبا، والله أعلم.

٣٬٧٨٠ / ٦٬٧٦٧