سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٣٩اللّوم والتّأنيب يجمع الله العابدين والمعبودين، ثم يوجه الخطاب للمعبودين الذين كانوا في الدّنيا محلّ تقديس وتعظيم من عابديهم، فإذا بهم على العكس من ذلك احتقارا ومهانة بين يدي الله وهو يسألهم: (ءَآنتُمُ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلآَءِ اَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ)، فليس ثمت من مهمّة لهؤلاء وأولئك إلا عملية الإضلال أو الضّلال، ولا مناص لهم إلا الإجابة بأحدهما.
فقد أجاب المعبودون بنفي الإضلال عنهم، وفي ذلك تقريع للعابدين وتأييس لهم من كل إنقاذ أو نجاة، والتّركيز على وصف العبودية مضافة إلى ضمير المتكلم: (عِبَادِي) إنما هو للتعريض بالكافرين في تضييع حقها، فكيف جاء ردّ المعبودين؟. جاء بما ينزّه الذّات العلية من صفات النّقص: (سُبْحَانَكَ)، ثم هم أطالوا في الإجابة بأن ليس من شأنهم أن يصدر ذلك الإضلال منهم وهم لا يتخذون وليّا من دون الله، فلا يجوز أن يدعوا أحدا إلى غير ذلك، ولكن أولئك الضّالّين قد اغترّوا بما أفضت عليهم من متاع الدّنيا هم وآباؤهم حتى طال عليهم الأمد فأعرضوا عن ذكر الله وقست قلوبهم، فجحدوا نعمة المنعم وأصبحوا بذلك هلكى كالأرض البور التي لا تنبت.
ثم قال تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا وَمَنْ يَّظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)، لقد كانت خيبة العابدين الضّالّين شديدة، وهم يسمعون تلك الإجابة من معبوديهم الذين تبرّأوا منهم أمام الله، وهم لا يملكون صرف العذاب عن معبوديهم ولا هم يستطيعون نصرهم، وفي توجيه الخطاب إلى المشهود عليهم استحضار لذلك المشهد المهيب بإعلان خيبة الرّجاء، في التماس أيّ نجاة من البلاء.
ثم يجيء هذا التّذييل ليشمل جميع الظّالمين، ومن ضمنهم أولئك المتحدث عنهم في موقف الحشر، بأن لهم عذابا كبيرا، لا يعلم هوله إلا الله، لأن التّنكير هنا