سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٥٠قال تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا، وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىا بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)، إنها شكاية الرّسول إلى ربّه الرّحيم، ووصفه بالرّسالة هو شهادة صدق من الله تعالى بأنه الرّسول الحق المأمور بالدّعوة والتّبليغ، وهذه الشّكاية الرّسولية على ما تتضمنه من الاستنصار والاستعانة بربّه فهي تعكس -أيضا- مدى حرص الرّسول على هداية قومه وحزنه على إعراضهم عن هداية القرآن، فهو كما وصفه ربّه: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التّوبة:128). والإشارة إلى القرآن هي لتعظيم شأنه، ونزوله على لسان قريش كان شرفا لهم كما قال تعالى ممتنا على رسوله بذلك: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزّخرف:44). ولكن كفار قريش قابلوه بالإعراض والهجران، إذ نفروا عن سماعه وتدبّر معانيه، وهكذا يكون في هذه الآية نذير لكل من يهجر القرآن بأيّ شكل من الأشكال من عدم تلاوته وتدبّر معانيه إلى نبذ العمل بأحكامه وتوجيهاته.
وتسلية لرسول الله في هذا الموقف الشّائن من قومه يأتي جواب الله ببيان سنة من سننه في كل المرسلين إلى قومهم فقال جلّ من قائل: (وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىا بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا).
وتتمثل تلك السّنة في أنه تعالى يجعل لكل مرسل عدّوا -واللّفظ يصدق على المفرد والجمع- وهو المقصود هنا، ووصفهم بالمجرمين لقيامهم بما هو أعمّ من عداوة الأنبياء من مختلف الجرائم التي يرتكبونها، وقد جرت سنة الله أن يبعث الرّسل في فترات يستشري فيها الفساد ويتفشى الشّر والظّلم، ويتعاظم فيها الكبراء والسّادة فلا يستجيبون لدعوة الإصلاح والتّغيير حرصا على نفوذهم ومصالحهم، ومن ورائهم الأتباع المستضعفون، ولكن الله تعالى يمكّن لرسله ولدعاة الخير