سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٦ولعلّ ذكر القرآن وآياته بعد تلك الحروف في أغلب السّور المبدوءة بها، ممّا يؤيّد هذا التّوجيه، مثل ما ورد في هذه السّورة إذ قال تعالى: (تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، الإشارة إلى القرآن، والتّنصيص على الآيات مضافة إلى الكتاب، هو للمبالغة في التّحدّي بالإتيان بجزء منه؛ لأن كل آية فيه لها من خصائص الإعجاز ما في الكتاب كلّه، كما أنّ الإشارة إليه بـ"تلك" للدّلالة على علوّ منزلته وسموّ قدره، أمّا كونه كتابا مبينا فمعناه أنّه ظاهر واضح في دلالته، ميسّر للتّدبّر شامل لمعاني الهدى والرّشاد؛ لأنّه من عند الله، حتى لكأن آياته ناطقة تفصح عن مرادها، فيعيها كل متدبّر سميع.
(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُومِنينَ): يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلك المقدمة التي نوّهت بشأن القرآن الكريم في بالغ إعجازه وظهور معانيه، وعلى ذلك لا يزال المشركون من قومه غير مصدّقين به، مما يدخل الهمّ والحزن في نفس الرّسول، فأعقب الله تلك المقدمة بهذه التّسلية لتزيل ما في قلبه من همّ وحسرة بقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ)، و"لعلّ" للترجّي، وهي مستعملة هنا لمعنى الإشفاق، و"البخع" هو بمعنى الذّبح المبالغ فيه حتى نخاع الرّقبة، وهو مستعمل هنا بمعنى الهلاك، أي أنّ الرّسول قد تملّكه الحزن من كون النّاس لا يصدّقون دعوته سيما أولئك النّفر من قومه وعشيرته.