سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٩لم ينزل القرآن جملة واحدة كما رغبوا في ذلك، بل كانت آياته تتوالى في النّزول على مدى ثلاث وعشرين سنة لمتابعة تذكيرهم وإرشادهم بكلّ ما هو محدث جديد قويّ في إعجازه وتأثيره، وذلك بمقتضى رحمة الله بهم واستئناسهم على مهل؛ لأنّ التّذكير بما هو جديد أوقع في النّفس من القديم المألوف، ولكنهم لا يزدادون إلاّ نفورا وإعراضا، حتى أصبح الإعراض عن الحقّ ملازما لهم وشأنا من شؤونهم علوّا واستكبارا، وكان من نتيجة ذلك أن يكون التّكذيب بما يتنزل عليك هو موقفهم العنيد: (فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَاتِيهِمُ أَنبَآءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ).
العطف بالفاء في الجملتين: (فَقَدْ كَذًّبُوا)، (فَسَيَاتِيهِم) تفيد كلّ منهما ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي ترتّب على إعراضهم التّكذيب بما أخبر به القرآن في كلّ ما جاءهم به من تذكير وما يقرعهم به من إنذار ووعيد، أعقبه الله تعالى بإنذارهم على استهزائهم بالحقّ الذي أنبأ به القرآن، سيما بأحداث قيام السّاعة وأهوال اليوم الآخر؛ لأنّ النّبأ هو الخبر عن الحدث العظيم، ويجوز أن يراد به التّهديد بما سيحيق بهم من العذاب العاجل في الدّنيا من القتل والأسر وأخذهم بالسّنين.
ولما كان الدّافع لإعراضهم وتكذيبهم هو فساد تصوّرهم لمعنى الألوهية والرّبوبية بالشّك في وحدانية الله وقدرته، جاء تذكيرهم بنعمة الله عليهم في ما يتنعّمون به من خيرات الأرض فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوِاْ اِلىَ الاَرْضِ كَمَ انبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّومِنينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).