نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠

وكأن فرعون أحسّ من أتباعه بعض الارتياح لما دعاهم إليه موسى؛ لأنهم لم يجيبوه فقال لهم في عتوّ واستكبار: (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ).

أبدى تعجّبه من حالهم كيف انبهتوا لبلاغ موسى فسكتوا في قضية لا ينبغي السّكوت عنها، وهي إثبات ربّ واحد لجميع المخلوقات، وكيف تهرّب موسى عن الإجابة عن سؤاله لمعرفة حقيقة ذلك الرّب، غير أن موسى بادرهم بجواب آخر أضيق مجالا من الأول فقال: (قَالَ رَبُّكُم وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الاَوَّلِينَ)، انتقل موسى في حجّته من الآفاق الكونية الواسعة فنزل إلى مستواهم ملفتا أنظارهم إلى إيجادهم بعد العدم وإيجاد آبائهم وأجدادهم من قبلهم، أي قبل أن يولد فرعون ويدّعي الألوهية.

وكانت هذه الحجة من المعقولية والواقعية لدى السّامعين بحيث يصعب تفنيدها وإنكارها، مما دفع فرعون إلى السّخرية والتّهكّم ثم إلى العنف والتّهديد فاتجه إلى قومه قائلا: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ).

أكّد اتّهامه لموسى بالجنون بمؤكدات ثلاثة، بـ"أن" وبلام التّوكيد والجملة الاسمية، وأمّا وصفه بالرّسولية فعلى سبيل التّهكّم والاستنقاص، واختار ضمير الخطاب ليخرج نفسه من الحكم، فزاد موسى حجّة أخرى هي أدلّ على عجز فرعون في الحكم والتّدبير: (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ).

نلاحظ التّدرّج العجيب في تقديم الحجج الدّامغة لإبطال ألوهية فرعون، إذ لفت أنظار سامعيه إلى ما لا يمكن إنكاره من ظاهرة الشّروق والغروب، وهما ظاهرتان لا تنحصران في رقعة مصر التي يدّعي فرعون ربوبيته عليها، ويقابل موسى اتهامه بالجنون بتنبيه سامعيه إلى النّظر العقلي: (إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)، حتى يدركوا أن الله الخالق الذي يدعوهم إلى الإيمان به هو المتصرّف وهو المحرّك لتلك الأجرام العظيمة. وهل فرعون له يد في ذلك؟.

٣٬٨٦٤ / ٦٬٧٦٧