سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٣١امتدت فترة التّمحيص والابتلاء على بني إسرائيل بعد حادثة السّحرة حتى ضاقوا ذرعا بما أصابهم، وهم يشكون سوء أحوالهم لموسى وهو يصبّرهم ويعدهم بالخروج والنّجاة: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الاَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128).
استحق قوم موسى في محنتهم هذه ذلك الوصف التّشريفي بأن أصبحوا عبادا لله إذ دخلوا في حظيرة الإيمان بوحدانية الله وكفروا بربوبية فرعون، وقيل: إنهم ليلة خروجهم من مصر أقاموا أبهة كبيرة بحيث أنّ النّساء الإسرائيليات استعرن حليّ الذّهب والفضّة من القبطيات، وصادف ذلك الخروج ليلة عيد الفصح عندهم، ولا شك أنّهم قد احتاطوا لذلك الخروج؛ لأنّ الله تعالى قد أخبرهم باتّباع فرعون لهم؛ لأنه كان يتوقع من ذلك شرّا على قومه ومملكته، فماذا فعل؟.
(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلآَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ).
لقد قام فرعون بما نسمّيه اليوم بالتّعبئة العامّة لحشر الجيوش من أطراف مملكته وهو يستعديهم بما يصف به خصومه من أوصاف التّهوين والتّحقير.
أ) - (إِنَّ هَؤُلآَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ): ولفظ الشّرذمة هي القلّة من النّاس، والإشارة: بـ (هَؤُلآَءِ) للدّلالة على التّحقير، وقد أضاف وصف: (قَلِيلُونَ) للتأكيد على ذلك، وقيل: إنهم ستمائة ألف، وهم قلة بالنّسبة لجند فرعون.
ب) - (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ): والغيظ هو شدة الغضب، أغاظوه بتمرّدهم عليه وتسفيههم لربوبيته، ثم حرمانه من استغلالهم في الأعمال الشّاقة، وهكذا الطّغاة حين تزلزل عروشهم من طرف شعوبهم إزهاقا للباطل ودحرا للظلم.