نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٣٨

"الواو" لعطف القصّة على القصّة، وقد أمر الله نبيّه أن يقرأ على قومه قصة إبراهيم ليعتبروا بما تتضمّنه من الأحداث هي شبيهة بما هم فيه من الضّلال والكفر بعبادة الأصنام، وأنّ ما يدعوهم إليه الرّسول من عبادة الله هي نفس الدّعوة التي دعا إليها إبراهيم قومه، والتّمهيد بلفظ "النّبأ" هو للتّنبيه إلى ما تحمله القصة من أحداث هي جديرة بالاهتمام؛ لأنّها تقوم على المحاورة الهادئة الدّافعة إلى إعمال النّظر والإنصات إلى صوت الفطرة، وهي مرتكزات الدّعوة المحمّدية، فإبراهيم بعد أن ألهمه الله رشده، وهداه إلى التّأمّل الواعي في ملكوت السّماوات والأرض كما بين الله ذلك في سورة الأنعام، وقد أنكر ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، بدأ دعوتهم إلى الله بهذه المحاجّة، فبدأ بأبيه كما يقتضيه واجب الدّعوة في حسن القدوة على قاعدة: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (الشّعراء:214)؛ ذلك لأنّ الدّعوات الحقّة لا تحابي قريبا ولا بعيدا، بل إن البدء بالقريب مما يدعو إليه الطّبع السّليم في حبّ النّفس ثم الحبّ لأقرب النّاس إليها، وقد قيل: إنّ والد إبراهيم كان ينحت الأصنام ويبيعها، وكان الولد الصّالح إبراهيم مدفوعا بفطرته السّليمة لاستنكار عبادة تلك الآلهة الباطلة، وقد أتاه الله رشده ليفاتح قومه وينبّههم إلى ما هم عليه من باطل، فكان منه ذلك السّؤال الاستهجاني بأداة: (مَا) ليجرّد تلك الآلهة الباطلة من كلّ عقل أو إدراك، فهو لا يستفسر عن شيء لا يعرفه وإنما هو استدراج لهم لطلب الإجابة أثناء قيامهم بتلك العبادة الباطلة، فأجابوه بقولهم: (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ).

٣٬٨٨٢ / ٦٬٧٦٧