نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٣٩

والإتيان بصيغة المضارع: (نَعْبُدُ) يدلّ على أنهم متلبسون بعبادتها عند إجابتهم، وأنّهم مستمرّون على ذلك، بل ومعتزّون بما يفعلون، إذ يظلّون عاكفين لها في كلّ أوقاتهم، والعبادة طاعة للمعبود وتوجّه إليه بالدّعاء لجلب نفع أو دفع ضرّ، ولذلك أخذ إبراهيم يبيّن لهم بطلان تلك العبادة لأنّها أصنام لا تسمع ولا تنفع ولا تضرّ فوجّه إليهم هذا السّؤال الإنكاري: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمُ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمُ أَوْ يَضُرُّونَ)، وليس لهم أن يجيبوه بـ"نعم" فيقرّون على أنفسهم بالغباوة والبلاهة، ولكنّهم لجأوا إلى حجّة التّقليد لآبائهم حتى يقطعوا المجادلة التي تنتهي إلى إلزامهم الحجة: (قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَالِكَ يَفْعَلُونَ)، وما أنسب استعمال أداة الإضراب هنا بقولهم: "بل" للانتقال بالمجادلة إلى تغطية ما هم عليه من العجز والغباء، وفي تقليدهم للآباء اكتفوا بمجرّد الإتيان بمثل ما كان يفعله آباؤهم دون ذكر لفعل العبادة، وفي ذلك إقرار للجهل والتّخلف، وفيه تعريض بكفار قريش إذ تذرّعوا بنفس الحجّة عندما قالوا لرسول الله: (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزّخرف:23).

وما كان إبراهيم ليقتنع بذلك الرّدّ التّقليدي، وهو الذي يسرح بنظره في ملكوت السّماوات والأرض، فردّ عليهم بقوّة، وأعلن بطلان ما هم عليه هم وآباؤهم من الكفر والضلال: (قَالَ أَفَرَآيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الاَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيَ إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

٣٬٨٨٣ / ٦٬٧٦٧