نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٤٢

ومن كمال تواضع إبراهيم لربّه -وهو الحنيف الثّابت- أن عبّر بالطّمع في مغفرة ربّه لخطيئته يوم الدّين، وما خطيئته تلك التي تحرجه -وهو خليل الله الذي وصفه بأنه "أمّة" في علوّ أخلاقه وكمال إيمانه-؟، والخطيئة هي الذّنب، مع أنّ الأنبياء منزّهون عن الخطايا التي تكون من الكبائر قطعا، ولكنّه تواضع وهضم للنّفس، وأدب رفيع مع الله إذ لم يقطع بتلك المغفرة، بل هو طمع ورجاء، على قاعدة: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

ذلك لأنّ الإنسان الكامل مهما اجتهد في عبادة ربّه، فإنه يعتبر ذلك دون ما يستحقّه المولى من واجب الطّاعة والعبادة، سيما وقد عدّد إبراهيم منن الله عليه، وهو عاجز على أداء شكرها، وها هو ذا يتضرّع إلى الله بدعائه: (رَبِّ هَبْ ليِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَل ليِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ ِلأَبِيَ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِّينَ، وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنَ اَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

ومع طلب إبراهيم المغفرة من ربّه تخلّص إلى الدّعاء له بما يحقق له الكمال الإنساني بإيتائه الحكمة والنّبوءة، فالحكمة هي العلم بالخير والعمل به وهي التي قال الله عنها: (يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة:269).

فقد رغب إبراهيم في هذا الخير الكثير الذي هو هبة من الله يهبها لمن يشاء من عباده، ثم هو يرجو من ربّه استدامة ذلك حتى يلحقه بالصّالحين ممن سبقه من الأنبياء والرّسل، وفي هذا الدّعاء استشراف لدرجات الكمال التي لا ينالها المرء إلاّ بتوفيق من الله وعونه، وقد استجاب الله دعوته إذ قال تعالى في سورة العنكبوت: (وَإِنَّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (27).

٣٬٨٨٦ / ٦٬٧٦٧