نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٥٢

ابتدأت القصة بفعل التّكذيب: (كَذَّبَتْ)، وأُنّث الفعل؛ لأن لفظ: (قَوْمُ) لا مفرد له من أصله فهو يُذكّر ويُؤنّث، وبما أنّ تكذيبهم لرسولهم هو تكذيب لكلّ الرّسل؛ -لأن أصول الرّسالات السّماوية واحدة في العقائد والأخلاق- فقد جاء التّعبير: بـ (الْمُرْسَلِينَ) هنا وفي القصص اللاحقة، فتكذيب الرّسول وما ينتج عنه من العذاب للمكذبين هو نهاية كلّ قصة، غير أنّ البدء بها في أوّل القصّة هو لإبراز الطّبع البشري في الإعراض عن كلّ دعوة تدعو إلى تغيير المألوف وإصلاح الفاسد من العادات، وذلك أدعى إلى توضيح مناط الاعتبار وتحقيق التّسلية.

(إِذْ قَالَ لَهُمُ أَخُوهُمْ نُوحٌ اَلاَ تَتَّقُونَ): بيان لبعض تفاصيل القصة، فنوح هو أخو قومه من النّسب، ومن حقّ الأخوّة المناصحة والمناصرة، وقد بادأهم بدعوتهم إلى طاعة الله حتى يتجنّبوا غضبه وسخطه، والدّعوة إلى تقوى الله تكرّرت في السّورة على ألسنة الرّسل، إذ هي الدّعامة الأولى في رسالتهم وهم يواجهون ما عليه أقوامهم من التيه والضّلال، وفي دعوة نوح تكرّرت ثلاث مرّات، مما يدلّ على أنهم قد جابهوا رسولهم من أوّل دعوته، ثم علّل ذلك بطاعته مرتين فقال: (وَأَطِيعُونِ)، وذلك بعد أن وصف نفسه بالرّسالة والأمانة: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ اَمِينٌ)، فهو مؤتمن على تبليغ وحي السّماء بأمر الله، وهم يعرفونه قبل بذلك بالخُلق الكريم، فلا يمكن أن يغشّهم أو يكذب عليهم، ولذلك أمرهم بطاعته؛ لأنّ من مستلزمات التّقوى لله طاعة رسوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ) (النّساء:64).

٣٬٨٩٦ / ٦٬٧٦٧