نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٥٣

ويبدو من توكيده لهم الأمر بالتّقوى أنهم كانوا قساة القلوب مقيمين على الكفر والضّلال، فلم تُجْدِ فيهم تلك التّأكيدات الدعوية، ولا تلك الأساليب الحكيمة التي ذكرها الله على لسان نوح في السّورة التي سمّيت باسمه والتي يقول فيها: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيَ إِلاَّ فِرَارًا، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّيَ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ إِسْرَارًا) (نوح:5 - 9).

وليزيل كلّ شبهة من نفوسهم في أن يظنّوه أنّه يطلب متاع الدّنيا بدعوته نفى ذلك بقوله: (وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ اِنَ اَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وإدخال: (مِن) لإفادة استغراق النّفي لكل نوع من مفاتن الدّنيا التي يمكن أن يقترن ببعض الدّعوات قديما وحديثا.

ثم أردف قوله: (اِنَ اَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهو يطلب الأجر ممن هو أعلى وأسمى من منازلكم الدّنيوية، إنه ربّ العالمين الذي كلّفني تبليغ هذه الرّسالة، وهو القادر وحده على مكافأتي ورعايتي، ثم هو يكرّر عليهم طلب التّقوى لله والطّاعة له في دعوته.

غير أن القوم لم يزدادوا إلا عتوّا واستكبارا فكان منهم هذا الرّد العجيب: (قَالُواْ أَنُومِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ، قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، إِنْ حِسَابُهُمُ إلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الْمُومِنِينَ، إِنَ اَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ).

٣٬٨٩٧ / ٦٬٧٦٧