نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٥٨

تكرّرت الجملة التي تقدّمت في أوّل قصة نوح لقصد التّركيز على تسلية رسول الله، وتكرّر نفس الدّعوة على لسان هود عليه السلام، وقد تقدم تفسيرها، وكان من المفروض تاريخيا -إذ جاء قوم عاد من بعد نوح- فيفترض أن يتناسل من تلك النّبتة الصّالحة من المؤمنين التي نجت مع نوح، يتناسل منها قوم صلحاء يتابعون المسيرة الإيمانية في الموكب البشري، ونحن لا نستطيع أن نقدر الفترة الزّمانية التي تفصل بين العهدين، غير أن تذكير هود لقومه بمصير قوم نوح يدلّ على أنّ القوم قد طال عليهم الأمد فلم يعتبروا بمن مضى قبلهم، حتى كان رسولهم يحرّضهم على شكر ما أمدّهم الله به من أنواع النّعم، ومنها فراهة أجسامهم وقوة سلطانهم، وإذ أصبحوا مغرورين بالحظوظ الدّنيوية، فقد كان من مستلزمات الدّعوة لهود عليه السلام أن ينفي عن نفسه أي طمع منهم في تلك الحظوظ كما فعل نوح مع قومه: (وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ اِنَ اَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ثم توجّه إليهم بعد ذلك في نقد واقعهم ليحاول إصلاح ما فسد من أوضاعهم فقال موبخا: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ _ايَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ).

أخذ هود يخاطب قومه بأسلوب التّوبيخ والتّأنيب ويعدّد ما هم عليه من التّرف والانشغال بزينة الدّنيا والتّعاظم بالقوة والسّلطان فذكر كشواهد على ذلك ثلاثة أمور:

٣٬٩٠٢ / ٦٬٧٦٧