سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٥٩أ) - (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ _ايَةً تَعْبَثُونَ): الرّبع هو المرتفع من الأرض، والتّعبير "آية" للمبني يدلّ على أنه معلم ممتاز بضخامته وزخارفه. فقيل أنها أبراج عالية في المرتفعات؛ كانوا يتفننون في تشييدها إظهارا للقوّة والسّلطان مما يتطلب منهم أموالا طائلة وجهودا مضنية اعتبرها رسولهم عبثا وتضييعا للوقت، كما نجد ذلك في ما تقوم به الدّول القويّة اليوم من التّفنن في المعالم العمرانية المختلفة إلى حدّ الإسراف والتّرف.
ب) - (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ): المصانع: اللّفظ مشتق من: "صنع"، والصّنع هو إتقان العمل، فعلى اعتبار "مصنع" اسم مكان، فقد قيل في معناه: إنها القصور العالية الفخمة المحصّنة والتي إلى جانب وقايتها لهم من المكاره العادية من الحرّ والبرد، فإنها تقيهم -أيضا- من مكايد الأعداء ومن نوائب الدّهر، حتى لكأنهم يرجون بذلك الخلود في الدّنيا، ومما يؤيّد ازدهار تلك الحضارة قوله تعالى في سورة الفجر: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (6 - 8).
يقول الإمام ابن عاشور تعليقا على هذه الآيات: "وقد اختلفت أقوال المفسّرين في تعيين البناء، والآيات والمصانع -كما سيأتي- ومما قالوه ما هو متمخض للهو والعبث والفساد وفي بعضه ما الأصل فيه الإباحة، وفي بعضه ما هو صلا ونفع … إلخ".(1)
قلت: إن الأعمال بمقاصدها، والمقصد قد يتغيّر من أحد لآخر ومن جيل إلى جيل، فقد تنجز أعمال وتقام مؤسسات لغرض نبيل يراعى فيه النّفع العام، ثم يأتي من يحوّله إلى مفسدة.
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 19/ 167.