سورة الشّعراء
الجزء ١٣ · صفحة ٨٠رموه بالسّحر كما وصف بذلك غيره من الرّسل، ثم أضافوا صفة البشرية فأكّدوا الصّفتين: السّحر والبشرية بصيغة الحصر، ليتوصّلوا إلى تكذيبه أن يكون رسولا من عند الله، فصرّحوا بذلك في قولهم: (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)، فلم يترددوا بعد ذلك في الاستخفاف بما توعّدهم به من العذاب: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا مِّنَ السَّمَآءِ ان كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). والكسف جمع كسفة، أي قطعة، والمعنى: إذا كنت صادقا في ما تقول، فأسقط علينا من السّماء قطع العذاب الذي تزعمه، طلبوا منه ذلك على وجه التّحدّي والتّعجيز إمعانا منهم في التّكذيب والإعراض، وهم يشبهون في ذلك طلب مشركي قريش لرسول الله عندما قالوا: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ اَوِ ايتِنَا بِعَذَابٍ اَلِيمٍ) (الأنفال:32)، وقالوا في سورة الإسراء: (اَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا) (92).
كان شعيب مترفّقا مع قومه إذ لم يطلب من الله إنزال العذاب عليهم، ولكنه فوّض الأمر إلى ربّه فهو أعلم بنواياهم، فيحكم عليهم بما يستحقونه إذ قال: (قَالَ رَبِّيَ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وكان من إرادة الله تعالى أن يكون عذابهم من نوع ما طلبوه واقترحوه: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).