نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الشّعراء

الجزء ١٣ · صفحة ٩٤

لقد سبق أن نوّه الله بشأن القرآن وبقدر المنزل عليه فقال عنه: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)، ثم نفى نفيا قاطعا أن تنزل به الشّياطين، ولكن القوم بقوا حيارى أمام إعجاز القرآن وتأثيره على نفوسهم فأرادوا مقارنته بما ألفوه من سجع الكهان وبلاغة الشّعراء، وبما أنهم يعتقدون أن الشّياطين توحي إلى الكهان، ولكل شاعر ريئ من الجنّ، فادّعوا لأتباعهم بأنّ القرآن ممّا تنزلت به الشّياطين، وليس محمدا إلا كاهنا ممتازا أو شاعرا بليغا، ولكن عقلاءهم مثل الوليد بن المغيرة ينفي عن رسول الله صفة الكهانة، وها هي هذه الآيات توضّح أن الشّياطين لا تنزل على محمد، لأنّ دعوته تقوم على الحقّ الواضح وتسير على نهج مستقيم، فما هو بشاعر ولا كاهن، ممن يعيشون في أوهام، ويغرقون في خيالات لا أساس لها في الواقع فقوله تعالى: (هَلُ اُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ)، لاسترعاء الانتباه إلى ما يخبرهم به لتصحيح تصوراتهم، فهو يخبرهم بتنزّل الشّياطين، ولكن لا على محمد الرّسول الأمين، بل تتنزّل على الكذوب الأفّاك من الكهنة الآثمين، فأولئك هم أولياء الشّياطين يلقون أسماعهم لما يوحون به إليهم، وأكثرهم كاذبون في ما يزعمون أنهم تلقوه من الشّياطين، والتّعبير بالأكثرية، لأنّه قد يصادف للشيطان مرة أن يسترق السّمع من الملإ الأعلى فيكون صادقا في ما يوصي به لوليّه، ولكن الكاهن يخلطه بألف كذبة، ولا يمّوهون بذلك إلاّ على السّذّج البسطاء فقد سئل رسول الله عن الكهّان، فقال: «ليسوا بشيء، قيل: يا رسول الله، فإنهم يحدّثون أحيانا بالشّيء يكون حقّا، فقال: تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنيّ فيقرّها في أذن وليّه قرّ الدّجاجة فيخلطون عليها مائة كذبة».

٣٬٩٣٨ / ٦٬٧٦٧