نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١٠١

ج) - (وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ): إكمال لعنصر الإيمان، بعد الإيمان بالله، والإتيان بضمير الفصل: (هُم) لإفادة القصر، وتقديم الجار والمجرور: (بِالاَخِرَةِ) لزيادة الاهتمام، واختيار العلم اليقيني بالنّسبة للإيمان باليوم الآخر هو للتأكيد على هذا الأصل الإيماني حتى لا يكون فيه تردّد أو شكّ؛ لأنه هو القوّة الرّادعة في نفس المؤمن لاجتناب المنكرات، وهو أيضا القوّة الدّافعة للقيام بالواجبات، ولذلك أعقبه تعالى بذكر المقابل المضادّ، وكيف تكون عواقبه الوخيمة فقال: (إِنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمُ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَئِكَ الذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الاَخِرَةِ هُمُ الاَخْسَرُونَ).

إذا كان للقرآن ذلك الأثر البالغ في نفوس المؤمنين فما الذي يجعل الكافرين لا يتأثرون به، والكل على سليقة واحدة في فهم اللّغة العربية وتذوّق بلاغتها؟، ففي هذه الآية الكريمة نجد بيان سبب ذلك بأنّ هؤلاء لا يؤمنون بما وراء الموت من البعث والحساب والجزاء، فلا عجب أن يبقوا عبيد شهواتهم فيحرمون من توفيق الله، ويزيّن لهم الشّيطان أعمالهم فيرونها حسنة لما جبلوا عليه من التّيه والضّلال، أما إسناد التّزيين إلى الله فيقول فيه الإمام ابن عاشور: "وإسناد التّزيين إلى الله تعالى يرجع إلى أمر التّكوين، أي خلقت نفوسهم وعقولهم قابلة للانفعال وقبول ما تراه من مساوئ الاعتقادات، والأعمال التي اعتادوها، فإضافة "أعمال" إلى ضمير (الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ) يقتضي أن تلك الأعمال هي أعمال الشّرك الظّاهرة والباطنة، فهم لإلفهم إياها وتصلبهم فيها صاروا غير قابلين لهدي هذا الكتاب الذي جاءتهم آياته".(1)

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 19/ 220.

٣٬٩٤٥ / ٦٬٧٦٧