نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١١٣

مهّد الله لقصّة سليمان بذكر فضله عليه وعلى والده داود بما آتاهما من العلم، وقد جاء التّفصيل لما أوتيه داود في سور أخرى، وهي نعم كثيرة، كما ذكر هنا بعض ما آتاه لسليمان، فلماذا خصّص الله بالذّكر هنا نعمة العلم، وجاء باللّفظ نكرة: (عِلْمًا) لأجل التّعظيم، ذلك لأنّ نعمة العلم هي أولى النّعم بالشّكر، أي العلم بكلّ أنواعه، سيما ذلك الذي ينير القلب، ويزكّي النّفس ويصل الإنسان بربّه ليزداد به إيمانا وخشية من كلّ علم نافع للدّنيا والآخرة، العلم الذي قال الله في شأن حامليه: (يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11)، (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ) (فاطر:28).

وزيادة على توكيد الخبر بلام القسم وقد اختار الله فعل: (-اتَيْنَا) ما فيه من خصوصية، المنحة لهذين العبدين الصّالحين، وإذ أتاهما الله نعما أخرى غير العلم فقد شكرا الله تعالى على تلك النّعم كلّها وفي مقدمتها العلم، وجيء بحكاية قولهما في الحمد والشّكر لله لبيان ما فيه من أدب رفيع من آداب النّبوّة مع الله، إذ قالا: (فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُومِنِينَ)، إذن، هو تفضيل نسبيّ، إذ هناك من هو أفضل منهما، وذلك ما علّمه الله تعالى لموسى في لقائه مع الرّجل الصّالح، والله يقول: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف:76). ويقول الشّاعر:

قل للذي يدّعي في العلم معرفة … علمت شيئا وغابت عنك أشياء

ثم قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ اِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).

٣٬٩٥٧ / ٦٬٧٦٧