سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١١٧لماذا تبسّم سليمان ضاحكا من قول النّملة؟، ولماذا صدر منه ذلك الدّعاء النّديّ لربّه مباشرة؟.
نعم: إنّه قد عظمت عليه منّة الله بأن وهب له تلك القدرة العجيبة لتصله بتلك العوالم الدّقيقة من خلق الله فيتفاعل معها ويدرك منطقها، ثم يستلهم منها ما ينفعه في سياسة رعيته، ونستطيع أن يستخلص من هذا المشهد ما يلي:
أ) - فهناك الرّاعي الأول في هذه المملكة النّملية وهو يتمثل في تلك النّملة القائدة، وهي تتصف باليقظة والحذر وتقوم على مسؤوليتها بصدق ووفاء، إذ نبهت على الخطر قبل أن يداهمها، وتتصف بسعة الفهم والإدراك، إذ تحيط علما بكل ما يقع في الوادي، أي من وراء حدود مملكتها، بدليل معرفتها لاسم سليمان، وتحرّك جنده قبل أن يمرّ على الوادي، وحسن كياستها في معاملة القويّ إذ وصفته بالرّأفة والعدل.
ب) - وكثمرة لتلك المزايا في الرّاعي الأول، فإن نتيجة ذلك في الرّعية كانت حسن الانقياد والطّاعة.
ولا شكّ أنّ سليمان عليه السلام قد انتابته تلك الخواطر، فاتجه إلى ربّه يشكره ويطلب منه المزيد، طلب أن يوفّقه الله ويجمع أمره على الشّكر لما أنعم عليه وعلى والديه، وإدراج الوالدين في الدّعاء من طرف الولد الصّالح هو من حسن البرّ بهما، وخير الذّكر بعدهما.
والعمل الصّالح هو التّجسيد العملي للشّكر الذي هو القيد المحكم للنّعمة الموجودة، والصّيد للنّعمة المفقودة، ثم نجد سليمان من تمام تذلّله إلى الله يقيّد العمل الصّالح برضى الله؛ لأنّ رضوان الله هو أعظم الغايات عند الأولياء الصّلحاء، فربّ عمل صالح في ظاهره لا يكون محلّ الرّضى عند الله لافتقاره إلى نبل القصد وخلوص النّية، أو لكونه على غير ما شرع الله.