نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١١٦

(حَتَّى) ابتدائية لها معنى الغاية، وإتيان سليمان وجنوده على: (وَادِ النَّمْلِ) يدلّ على مرورهم به كلّه، وإضافة الوادي إلى النّمل للدلالة على كثرة وجود النّمل به، وهو على الأشهر يقع في أرض الشّام، فنادت نملة -هكذا بالتكبير-، ولكن تحذيرها للنّمل الآخر يدلّ على أنّ لها مهمة رائدة، فإمّا أن تكون هي الملكة، أو تكون مكلّفة بالحراسة، كما هو معروف في التّنظيم العجيب المحكم لمملكة النّحل والنّمل، وقد حذّرت باللّغة التي يتفاهم بها النّمل والتي يفهمها سليمان، حذّرت مجموعات النّمل من تحطيم سليمان وجنوده لها فأمرتها بالدّخول إلى مساكنها، ويلاحظ التّعبير بخطاب العقلاء. واختيار لفظ: (مَسَاكِنَكُمْ) حتى لكأننا في مجموعة سكنية للبشر محكمة البناء والتّنسيق، وقرى النّمل عادة ما تمتد إلى سراديب تحت الأرض، فهي -إذن- صلبة السّقوف محصّنة بحيث لا تتحطم ولو مرّت الجيوش فوقها، ونجد النّملة الآمرة عادلة في تصرّفها إذ احترزت، فأعذرت سليمان وجنوده بأنهم لا يشعرون، فهم لا يفعلون ذلك عن قصد الإذاية والظّلم. فاعجب لهذا المخلوق الضّعيف كيف ألهمه الله إلى تنظيم شؤون حياته بتلك الدّقة العجيبة التي لا تقلّ عن تنظيم البشر تنسيقا وتعاونا، وصدق مولانا إذ قال: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم) (الأنعام:38).

وإذ كان سليمان قد ألهمه الله إلى فهم منطق تلك المخلوقات، فقد هش وانشرح صدره لما قالته النّملة، والذي أثار في نفسه خواطر كثيرة بفيوض نعم الله عليه، وهو مغمور بها في أوج عزّته وسلطانه، فكانت ردّة فعله الأولى أن تبسّم ضاحكا: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).

٣٬٩٦٠ / ٦٬٧٦٧