سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٥٩وبعد استكمال تلك الحجج الإقناعية الدّالة على انفراد الله بالوحدانية، وبالقدرة التّامّة لإبطال عقيدة الإشراك، أعقب ذلك بإبطال أثر من آثار الشّرك مما يعتقده المشركون في كهانهم من مخالطتهم للجن ومعرفة بعض أخبار السّماء فقال تعالى: (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ).
الخطاب موجّه لرسول الله، وهو يواجه المعتقد الفاسد للمشركين في ما ينظرون به إلى سدنة معابدهم، وفي موضوع قيام السّاعة كثر تساؤل المشركين عنها، وهم يظنّون أنّ من صدق الرّسالة أن يكون الرّسول عالما بها، فتجيء أمثال هذه الآيات لنفي أي زعم لأحد في علم ذلك، لا من رسول ولا من ملك مقرّب، جاء النّفي بصيغة الحصر ليفيد العموم.
والغيب هو كلّ ما يغيب عن إدراكنا وحسّنا، فلا نتوصّل إلى معرفة شيء من ذلك إلاّ ما شاء الله أن يقدرنا عليه هو كما قال:
أ) - (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (الجن:26 - 27).
ب) - (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ) (البقرة:255).
وفي مجال الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلاّ الله يركّز القرآن على معرفة قيام السّاعة، فلا يمكن للخلق -حتى من الملائكة- معرفة ذلك بدليل قول الرّسول لجبريل عليه السلام عندما سأله عن السّاعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل». وإن كان القرآن والسّنة قد ذكرا بعض علاماتها. وكلّ محاولة من الخلق لمعرفة ذلك إنّما هي ضرب من اللّهو الفكري الذي لا يرجع بطائل.