نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١٧١

ثم قال تعالى تفريعا على ما سبق ومخاطبا رسوله: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)، جاء هذا التّفريع على ما سبق مناسبا لما تقتضيه الحالة النّفسية لرسول الله، وهو يواجه الإعراض والإعنات من قومه، ولم يكن مقصّرا في أداء مهمّته، فلما أعلمه ربّه بأنه يقضي بين خلائقه بحكمه العادل وأنه الغالب على أمره والعليم بشؤون عباده، أمره أن يتوكّل عليه ويفوّض الأمر إليه في الفصل بينه وبين خصومه، ثم علّل الأمر بالتّوكل عليه بقوله تعالى شاهدا لرسوله بما يزيده ثقة واطمئنانا بنصر الله فقال: (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ). ومن عرف أنّه على الحقّ المبين فلا يزداد أمام الشّدائد إلا عزيمة وثباتا؛ لأنه يعلم أن الله ناصره، وهذه شهادة الله لهذا الدّين الذي دعا إليه الرّسول بأنه كامل لا نقص فيه، وهي في معنى قوله تعالى في سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3).

ولزيادة الاطمئنان في نفس الرّسول لنفي كلّ تقصير من جانبه في أداء مهمته التّبليغية جاء الحديث على المشركين يصفهم بما يستحقونه من الأوصاف الذّميمة في مواقفهم الضّالة فقال تعالى: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ اِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمُ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُّومِنُ بِئَايَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ)، وهذه هي العلة الثّانية للأمر بالتّوكّل، وليس في الإنسان من النّقائص التي تحطّ من قيمته بأردى من هذه العاهات الثّلاث: الموت والصّمم والعمى، فقد تدرّج الوصف من الأعلى إلى الأدنى، ذلك لأن المشركين يتفاوتون في ضلالهم وصدودهم عن الحق.

٤٬٠١٥ / ٦٬٧٦٧