نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١٨٥

ج) - (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا -امِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمُ) (العنكبوت:67).

فأهل مكّة الذين تحدّوا رسول الله باعتقادهم استحالة البعث وتعجيلهم بوعيده أراد الله أن يطأطئ من كبريائهم فأمر رسوله أن يعلن أمامهم بأن لا ينتظروا منه ما يطلبون، وأنّ الذي شرّفهم بالبلد الحرام وهو الذي ميّزهم بذلك الفضل، بمقتضى الرّبوبية التي يتّصف بها، هو الذي يأمرني بأن أشتغل بعبادته بعدما أدّيت مهمّتي التّبليغية، فإذا كنتم تتشرّفون بكونكم أهل هذه البلدة المحرّمة، فاعبدوا ربّها، فأنا أوّل العابدين له إذ دعوتكم لعبادته، وملكه لا يقتصر على هذا البلد، بل له كلّ شيء مما في السّماوات والأرض، وأنتم تقرّون له بذلك.

ب) - (وَأُمِرْتُ أَنَ اَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ): يقال: أسلم وجهه لله، بمعنى خضع وانقاد، فالمسلم هو من أعطى كلّ قوته وكلّ ما يملكه لله، بمعنى تسخيره لكلّ ذلك في مرضاة الله، على معنى قوله تعالى: (قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162 - 163). فالإسلام هو الدّين الذي دعا إليه جميع رسل الله من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وكلّهم جاؤوا بدعوة عباد الله إلى التّوحيد وإسلام الوجه لله وحده لا شريك له.

ج) - (وَأَنَ اَتْلُوَ الْقُرْءَانَ): وتلاوة القرآن بمعنى قراءته على النّاس فهي وسيلة رسول الله في التّبليغ، وإن كان قد يتلوه لخاصّة نفسه تلذذا واستئناسا لكلام ربّ العالمين، فللقرآن سلطان على النّفوس المؤمنة فهو ملاك الدّعوة ومنافذها إلى القلوب والأرواح، وما شخص الرّسول إلا تجسيد لقيمه ومبادئه كما قالت أمنا عائشة: «كان خلقه القرآن»، أمره الله بتبليغه، وما عليه بعد ذلك أن يؤمنوا به أو لا يؤمنوا.

٤٬٠٢٩ / ٦٬٧٦٧