نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ١٩١

(نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُومِنُونَ): مهّد الله لقصة موسى وفرعون بهذه المقدمة الشّيّقة لجذب الاهتمام بتتبّع تفاصيلها، والخطاب فيها لرسول الله، ومن خلاله لكلّ مستمع للقرآن مؤمن به، واختير فعل: "التّلاوة" المسند إلى نون العظمة، لما في التّلاوة من معنى هو أعمّ من القراءة؛ لأنه يفيد التّتبّع بدقّة واهتمام لما في المبنى والمعنى، واختيار صيغة المضارع للدّلالة على ما كان في حاضر التّنزيل مع ملاحظة الدّوام والاستمرار، والنبأ هو الخبر العظيم و"مِن" للتبعيض؛ لأن ما قصّه الله في هذه السّورة هو شطر من قصّة موسى بكاملها. وقوله تعالى: (بِالْحَقِّ) الباء للملابسة، لأنّه قصص حقّ لا يتطرّق إليه شكّ، ولأنه مطابق للواقع الذي يخبر به الحكيم العليم، وتخصيص المؤمنين في الانتفاع به لأنّ لهم الاستعداد الرّوحاني للتّلقّي والاستماع إليه بمقتضى إيمانهم.

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الاَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمُ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، يبتدئ البيان التّفصيلي لنبأ موسى وفرعون برسم الوضع المأفون الذي أصبح عليه فرعون بالتّسلط والتّجبّر على رعيّته، فهو الطّاغية الجبّار الذي لم يكتف بعلوّه على الخلائق فتطاول على مقام الخالق حين ادّعى الرّبوبية والألوهية. والمقصود بـ"الأرض" هو أرض مصر، والتي كانت تمتد إلى أعالي النّيل من السّودان المصري، وقد جعل من تدفّق مياه النّيل دعائم ملكه حين تباهى بذلك على موسى فقال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الاَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيَ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الزّخرف:51).

٤٬٠٣٥ / ٦٬٧٦٧