نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ١٩٣

(إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ): تعليل للسياسة الظّالمة التي اتّبعها فرعون، للدّلالة على تمكّن الفساد في طبعه، وأيّة مفسدة هي أشدّ من زرع الفتنة بين الطّوائف ونشر الرّعب والخوف في المجتمعات البشرية، ولكنّ الله يمهل ولا يهمل وإرادته تعالى لا تحابي أحدا من خلقه، فلا بد -إذن- من الفساد أن يتقلّص ظلّه، ولابدّ لعدل الله أن تنشر ألويته.

قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمُ أَيمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

هكذا تتواجه الإرادتان: إرادة الله في قوّتها وقهرها وحكمتها، وإرادة فرعون في غرورها وزهوها وفي غبائها وتهوّرها، والله في قوّته وقهره لا يظلم ولا يقبل الظّلم من أحد من خلقه، ولكن الظّلم من شيم النّفوس عند البشر، فكيف تفصل العدالة الإلهية بين الظّالم والمظلوم؟، يقول المتنبّي:

والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد … ذا عفّة فلِعِلّة لا يَظلم

فإذا كانت العلة في قبول الظّلم عند المظلوم هي الضّعف والذّلة، كما هو شأن بني إسرائيل، فإنّه تعالى قادر على قلب الموازين بما يمنّ به على المستضعفين من أسباب تجعلهم ينفضون غبار الظّلم عنهم فيسعون لاسترداد حقّهم السّليب، لأنّ الإنسان مهما قهرته الظّروف فإنّ له من طبعه الميل إلى الإنعتاق والحرية، ومن إرادة الله تتيقّظ إرادته، والله غيور على أوليائه فهو لا يقف عند رفع الظّلم عنهم فحسب ولكنّه يزيدهم من منّه وفضله بما يحيونه مما خصّصه هنا بالذّكر من أمور أربعة:

أ) - (وَنَجْعَلَهُمُ أَيمَّةً): بأن نخرجهم من ذلّ العبودية والقهر فيصبحون أحرارا في مجتمعهم، حتى يكونوا مثالا يحتذى بهم في أمور الدّين والقيم والأخلاق وفي أمور السّياسة والعمران.

٤٬٠٣٧ / ٦٬٧٦٧