نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٤

جاء العطف لهذا المشهد من قصّة موسى بعد أحداث الإرضاع والتّكفل به من أمّه، وقد نشأ موسى وترعرع في قصر فرعون الذي يقع على أطراف المدينة على عادة الملوك في اختيار مواقع لقصورهم بعيدة عن ضوضاء المدينة، فهناك أحداث سكت عنها النصّ، وهي ما وقع له ما بين فترة إرضاعه وفطامه وفترة شبابه واكتمال قوته، فكيف تربّى في قصر فرعون، وكيف كانت علاقته بما في خارج القصر، إلاّ أنّ الحادثة التي تناولها هذا النصّ تدلّ على أنّه قد عرف أنّه من بني إسرائيل، وكيف صنعه الله على عينيه، بدون التّعرّف بوسيلة ذلك وكيفيّته.

ويبدأ النصّ هنا بكيفية دخوله إلى المدينة، والمفهوم أنّها العاصمة، فقيل: إنها "منفيس"، وقيل: إنها عين شمس، ولكن لماذا توخّى موسى الدّخول إليها في حين غفلة من أهلها، وهو على الأرجح وقت القيلولة؟. لم يبيّن الله سبب ذلك، ولكن يفهم من هذا السّلوك الحذر أنّ موسى لم يطب مقامه في قصر فرعون، وأنّ شخصيته الإسرائيلية قد تبلورت، فأنكر على مربّيه ما كان يمارسه من الظّلم والتّعسّف في بني قومه الإسرائيليين، وربما أخذ في الانسحاب من القصر شيئا فشيئا ليحتك ببني قومه ويبعث في صفوفهم النّخوة والعزة، والمهمّ أنّه دخل المدينة مستخفيا، وساق الله إليه تلك الحادثة التي تؤيّد ما قلناه من الواقع الذي أصبح عليه موسى، يقول تعالى: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ).

٤٬٠٤٨ / ٦٬٧٦٧