نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٥

إذن، كان على دراية تامّة من واقع المجتمع الفرعوني يعرف فيه عدوّه من صديقه، فما إن دخل المدينة حتى وجد رجلين يتصارعان، وتبيّن طائفة كلّ منهما، بكون أحدهما إسرائيلي والآخر قبطيّ، قيل: إنّه طبّاخ فرعون أو خبّازه، ولم تدفعه النّخوة القومية للدّفاع عن الإسرائيلي حتى استغاث به على خصمه القبطيّ، فما كان من موسى الشّابّ القويّ إلاّ أن استجاب لعاطفة الحميّة القومية، إذ ضرب القبطيّ بجمع يده ضربة أودت بحياته -وما كان يقصد قتله-، ولذلك أدركه النّدم على ما فعل واعتبر ذلك من إغواء الشّيطان اللّعين عدوّ الإنسان الأول. والعدوّ من شأنه الإضلال والشّر والفساد، ثم استطرد موسى متوجّها إلى ربّه وقد شعر بظلم نفسه مثلما شعر آدم وزوجه بخطيئتهما بوسوسة الشّيطان فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

كانت دعوة مستجابة بدلالة فاء التّعقيب: (فَغَفَرَ لَهُ)، وقد شعر موسى بطمأنينة قلبه، إذ تيقّن أنّ الله تعالى قد غفر له، وأنّه لم يكن يقصد القتل حين تدخّل بين الرّجلين، وتلك هي العلاقة الحميمة التي تكون بين الله وأوليائه، فيشعرون بالاستجابة من الله فور دعائهم، فما بالك بموسى الكليم والله تعالى يعدّ لرسالته؟.

٤٬٠٤٩ / ٦٬٧٦٧