سورة القصص
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٧إنّه بيان لمصير أقوام كانوا على مثل أحوال قريش من رغد العيش أمنا ووفرة أرزاق، ولكنّهم فرحوا بما عندهم حتىّ أخذهم البطر بعدم تقديرهم لتلك النّعمة فأهلكهم الله، وبقيت مساكنهم خاوية بما ظلموا، وكان الله هو الوارث لها، وهو كناية عن خلوّها من السّكن، وبقيت أثرا للمارّين، ولا يفعل الله ذلك ظلما بعباده، إذ أنه تعالى لا يعذّب حتى ينذر فقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).
جاء هذا العطف بيانا لعدل الله ورحمته بعباده، فليس من شأنه تعالى أن يهلك أقواما دون إقامة الحجّة عليهم بإرسال رسول يرشدهم إلى طريق الهدى، وتخصيص مبعث الرّسول في أمّ القرى -وهي القرية العظيمة- لأنهّا تكون ملتقى لما جاورها من المجالات السّكنية الصّغرى، إذ غالبا ما تكون القرية الكبرى مربعا لعلية القوم، فهم قدوة لغيرهم كما كان أصحاب مكّة، فالرّسول هو بمثابة الرّائد الذي لا يكذب أهله، فهو ينذر ويبشّر ويرسم للنّاس طريق النّجاة، حتى إذا كذّبه قومه يكون الله قد أعذرهم قبل الهلاك، فيصبحون ظالمين لأنفسهم، مستحقين لعذاب الله، وتلك سنّة الله في خلقه كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15).
وعلى ذكر النّعم التي أفاضها الله على أهل الحرم المكّي حتى أخذهم البطر وبيان شروط إهلاكه القرى أعقب ذلك بهذا التّذكير فقال: (وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).