سورة القصص
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٦إذن، هو اعتذار في البقاء على الكفر ليس له من مبرّر في واقع حياتهم الآمنة النّاعمة، فهم إذ اعترفوا حتميا بأنّ ما يدعوهم إليه الرّسول هو الحقّ والهدى، ولكنّهم مشفقون على أمنهم وسلامتهم بما يتوهّمون من تألّب الأعداء عليهم، فجاء الرّدّ الإلهي بما تفضّل عليهم من الأمن ومن وفرة الأرزاق في البلد الحرام، فقال تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا -امِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا).
صدّرت الإجابة بالاستفهام الإنكاريّ الذي يتضمّن التّوبيخ على كذبتهم الموهومة، إذ مكّن الله لهم في أرضهم -حرمه الآمن- على ما هم عليه من الكفر والضّلال، والتّمكين فيه بمعنى التّثبيت في المكان، فهم في ظلال حرم الله لا يعتريهم خوف، إذ جعله الله مثابة للنّاس وأمنا، منذ جدّهم إبراهيم عليه السلام، فكيف يرفع عنهم تلك الحرمة إذا اتّبعوا الهدى مع رسول الله؟.
ومن بركات الحرم أنّه تعالى يسوق إليه مختلف الثّمرات من مختلف بلدان العالم استجابة لدعاء إبراهيم: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلَ اَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، فقوله تعالى: (رِزْقًا مِّن لَّدُنَّا) فيه معنى الخصوصية لحرم الله تفضّلا منه تعالى وتكريما لساكنيه، ولكن أكثرهم لا يقدّرون تلك النّعمة لعدم إدراكهم لأبعادها ومقاصدها، ظنا منهم أنّ القبائل العربية كانت تقدّس الحرم بدافع العرف والعادة في حميّة جاهلية.
وبما أنّ الإنكار للموقف والتّوبيخ عليه يقتضي التّحذير من مغبّة الإصرار عليه فقد عطف الله على ما سبق هذا التخويف والتّحذير فقال: (وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنم بَعْدِهِمُ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ).