سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٢٩١كثيرا ما يصنّف القرآن أمّة الدّعوة إلى أصناف ثلاثة: مؤمنون أوفياء، وكفار جاحدون، وبين الصّنفين فئة المنافقين، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم المشار إليهم في هذه الآية الكريمة، وهم الفئة الخطيرة على المجتمع المسلم، تعدّدّت مواصفاتهم في القرآن والسّنة، وهذه الآية الكريمة ركّزت على بيان موقفهم في علاقتهم بالمشركين، وكما ثبت من أسباب النّزول أنّ هذه الفئة كانت مندسّة بين صفوف المؤمنين، يقولون آمنا بألسنتهم، ولكنّهم يضمرون الكفر ويتملّقون المشركين ضمانا لمنافعهم المادّية، وعندما يقعون على محكّ التّمحيص بما قد يصيبهم من أذى المشركين فإنّهم لا يصبرون كما يقتضيه الإيمان الرّاسخ بل سرعان ما يرتدّون عن الإسلام، لأنهم لضعف إيمانهم بيوم البعث والجزاء يسوّون بين فتنة النّاس وعذاب الله إيثارا للعاجلة على الآخرة، وهم في ذلك لا يندرجون في زمرة أولئك المُكرَهين على الكفر، فيتّقون الهلاك بألسنتهم وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، بل هم ممن قال الله فيهم: (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ) (النّحل:106).
ثمّ إنّ هؤلاء يتّصفون بما نسمّيه اليوم بالانتهازية، وذلك من خلال موقفهم في أيّ نصر يحقّقه المسلمون فيقولون لهم: إنّا كنّا معكم بالنّصر والتّأييد، فلنا معكم نصيبنا من الغنائم. فإذا كانت مثل هذه المواقف المائعة قد تخفى على النّاس فهي عند الله مكشوفة واضحة، فكان الرّدّ الحاسم بهذا الاستفهام الإنكاريّ: (أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ)، فالخطاب موجّه لرسول الله ليُسمع أولئك المنافقين حكم الله عليهم بالنّفاق والمراوغة، وأنّه تعالى يمحّص خلقه بأنواع تلك الفتن، سيما تلك التي تأتي من قبلهم ضدّ بعضهم بعض، حتىّ تنكشف بذلك طبائع النّاس، فيعلم من هو صادق في إيمانه ومن هو منافق كذّاب.